مصطفى صادق الرافعي

190

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

وعلى تأويل ما عرفته من هذه السياسة المنطقية ، تحمل كلمة الوليد بن المغيرة المخزومي في خبره المشهور : فقد جاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقرأ عليه القرآن ، فكأنه رق له ، فبلغ ذلك أبا جهل ، فآتاه فقال : يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا ليعطوكه لئلا تأتي محمدا لتعرض لما قاله . فقال الوليد : قد علمت قريش أني من أكثرها مالا . قال أبو جهل : فقل فيه قولا يبلّغ قومك أنك كاره له ، قال : وما ذا أقول ؟ فو اللّه ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني ، ولا برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن « 1 » ، واللّه ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا ؛ وو اللّه إن لقوله حلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله ، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه ، وإنه ليحطم ما تحته . قل : لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه ! قال : فدعني حتى أفكر . فلما فكر قال : « هذا سحر يؤثر » يأثره عن غيره . ولما اجتمعت قريش عند حضور الموسم قال لهم الوليد : إن وفود العرب ترد فأجمعوا فيه ( يعني النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ) رأيا لا يكذب بعضكم بعضا . فقالوا : نقول كاهن ، قال : واللّه ما هو بكاهن ، ولا هو بزمزمته ولا سجعه . قالوا : مجنون ، قال : ما هو بمجنون ولا بخنقه ، ولا وسوسته . قالوا : فنقول شاعر ، قال ما هو بشاعر ، قد عرفنا الشعر كله ، رجزه وهزجه وقريضه ومبسوطه ومقبوضه . قالوا فنقول ساحر ، قال ما هو بساحر ولا نفثه ولا عقده . قالوا : فما نقول قال : ما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا وأنا أعرف أنه لا يصدق ، وإن أقرب القول إنه ساحر ، وإنه سحر يفرّق به بين المرء وابنه والمرء وأخيه ، والمرء وزوجته ، والمرء وعشيرته فتفرقوا وجلسوا على السبل يحذرون الناس . ا ه - « 2 » . فتأمل كيف وصف تأثير القرآن في النفس العربية ، حتى ينتزع الرجل من أهله وعشيرته وخاصّ أهله وعشيرته انتزاعا كأنه مسلوب العقل ، فلا يتمكث ولا يلوي على شيء ، وإذن ذلك الكلام كله لو أريد إجماله لم تسعه غير هاتين الكلمتين : ( السياسة المنطقية ) « 3 » .

--> ( 1 ) تجد بسط هذا في باب الرواية في الجزء الأول من تاريخ آداب العرب . ( 2 ) تختلف ألفاظ الروايات التي وردت في هذا المعنى وما قبله زيادة ونقصانا ، ولكن مرجعها كلها إلى شيء واحد ، وقد نزلت في الوليد بعد تفكيره وتقديره وقوله في القرآن إنه سحر - آيات في سورة المدثر ، وهي قوله تعالى : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً إلى ما بعدها من السورة . فذلك نص في ثبوت القول ، والقول نص في ثبوت معناه ، والمعنى في هذا الباب شاهد قاطع . ( 3 ) رأينا لبعض علماء الأندلس كلمة حسنة تتم بتحصيلها الفائدة قال : إن أعظم المعجزات وأوضحها دلالة : القرآن الكريم ؛ لأن الخوارق في الغالب مغايرة للوحي الذي يتلقاه النبي وتأتي به المعجزة شاهدة ، والقرآن الكريم ؛ لأن الخوارق في الغالب مغايرة للوحي الذي يتلقاه النبي وتأتي به المعجزة شاهدة ، والقرآن هو نفسه الوحي المدعى ، وهو الخارق المعجز ، فدلالته في عينه لا يفتقر إلى دليل أجنبي عنه ، فهو أوضح دلالة ، لاتحاد الدليل والمدلول فيه . وهذا معنى قوله صلّى اللّه عليه وسلم « ما من نبي إلا وأوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ؛ وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحي إليّ ، فأنا أرجو وأن